عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

253

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

وأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ ومِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً ( 14 ) وأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ( 15 ) * ( وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ ومِنَّا الْقاسِطُونَ ) * الجائرون عن طريق الحق وهو الإيمان والطاعة . * ( فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً ) * توخوا رشدا عظيما يبلغهم إلى دار الثواب . * ( أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ) * توقد بهم كما توقد بكفار الإنس . وأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ( 16 ) لِنَفْتِنَهُمْ فِيه ومَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّه يَسْلُكْه عَذاباً صَعَداً ( 17 ) * ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا ) * أي أن الشأن لو استقام الجن أو الإنس أو كلاهما . * ( عَلَى الطَّرِيقَةِ ) * أي على الطريقة المثلى . * ( لأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ) * لوسعنا عليهم الرزق ، وتخصيص الماء الغدق وهو الكثير بالذكر لأنه أصل المعاش والسعة ولعزة وجوده بين العرب . * ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيه ) * لنختبرهم كيف يشكرونه ، وقيل معناه أن لو استقام الجن على طريقتهم القديمة ولم يسلموا باستماع القرآن لوسعنا عليهم الرزق مستدرجين لهم لنوقعهم في الفتنة ونعذبهم في كفرانهم . * ( ومَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّه ) * عن عبادته أو موعظته أو وحيه . * ( يَسْلُكْه ) * يدخله وقرأ غير الكوفيين بالنون . * ( عَذاباً صَعَداً ) * شاقا يعلو المعذب ويغلبه مصدر وصف به . وأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّه فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّه أَحَداً ( 18 ) وأَنَّه لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّه يَدْعُوه كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْه لِبَداً ( 19 ) * ( وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّه ) * مختصة به . * ( فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّه أَحَداً ) * فلا تعبدوا فيها غيره ، ومن جعل * ( أَنَّ ) * مقدرة باللام علة للنهي ألغى فائدة الفاء ، وقيل المراد ب * ( الْمَساجِدَ ) * الأرض كلها لأنها جعلت للنبي عليه الصلاة والسلام مسجدا . وقيل المسجد الحرام لأنه قبلة المساجد ومواضع السجود على أن المراد النهي عن السجود لغير اللَّه ، وآرابه السبعة أو السجدات على أنه جمع مسجد . * ( وَأَنَّه لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّه ) * أي النبي عليه الصلاة والسلام وإنما ذكر بلفظ العبد للتواضع فإنه واقع موقع كلامه عن نفسه ، والإشعار بما هو المقتضى لقيامه . * ( يَدْعُوه ) * يعبده * ( كادُوا ) * كاد الجن . * ( يَكُونُونَ عَلَيْه لِبَداً ) * متراكمين من ازدحامهم عليه تعجبا مما رأوا من عبادته وسمعوا من قراءته ، أو كاد الإنس والجن يكونون عليه مجتمعين لإبطال أمره ، وهو جمع لبدة وهي ما تلبد بعضه على بعض كلبدة الأسد ، وعن ابن عامر « لبدا » بضم اللام جمع لبدة وهي لغة . وقرئ « لبدا » كسجدا جمع لا بد و * ( لِبَداً ) * كصبر جمع لبود . قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِه أَحَداً ( 20 ) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا ولا رَشَداً ( 21 ) قال * ( إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِه أَحَداً ) * فليس ذلك ببدع ولا منكر يوجب تعجبكم أو إطباقكم على مقتي ، وقرأ عاصم وحمزة * ( قُلْ ) * على الأمر للنبي عليه الصلاة والسلام ليوافق ما بعده . * ( قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا ولا رَشَداً ) * ولا نفعا أو غيا ، عبر عن أحدهما باسمه وعن الآخر باسم سببه أو مسببه إشعارا بالمعنيين . قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّه أَحَدٌ ولَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِه مُلْتَحَداً ( 22 ) إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّه ورِسالاتِه ومَنْ يَعْصِ